ريادة الأعمالنصائح

أخلاقيات التسويق تكسب ام تخسر ؟

أخلاقيات التسويق، هذا هو الموضوع الذي لا يتكلم فيه الناس كثيراً. ربما لأنهم يعتقدون أنك غير مهتم به، ولكني – على العكس – على اقتناع تام بأن هذا الموضوع يمكن أن يحسّن من حياتك بشكل كبير ويزيد من مكاسبك وأرباحك.
ترى هل تعتبر أخلاقيات التسويق ورقة رابحة أم لا؟ هذا هو ما سنتحدث فيه هذه المرة.

موضوع اليوم في اعتقادي هو أحد أهم الموضوعات التي يجب على كل صاحب عمل وكل مسوّق أن يكون على دراية به.
تخيل معي أنك قمت بإنشاء شركة جديدة بموظفين جدد، وقمت بعمل الدعاية اللازمة وبالفعل حّزت على شريحة كبيرة من العملاء ونجحت شركتك. بعدها قمت بتجميع بيانات هؤلاء العملاء في دفتر موجود داخل صالة الاستقبال بالشركة، ثم قام أحد منافسيك بجعل أحد موظفيه يقوم بسرقة بيانات العملاء منه، هل ستعتبر هذا الأمر سرقة أم لا؟

أيضاً تخيل معي لو أن نفس الأمر تماماً حدث بشكل رقمي وقام أحد المنافسين باستخدام أحد برامج سحب البيانات، هل ستعتبر هذا الأمر سرقة أم لا؟

إجابتك سوف تختلف في الحالة الثانية بشكل كبير عن إجابتك في الحالة الأولى؛ فالناس لديها قناعة بأن السرقة تعتبر سرقة في حالة الأشياء المادية فقط (ساعة – سيارة – هاتف – إلخ …) أم كل ما هو غير ملموس فلا يدخل ذلك تحت تعريفهم لكلمة سرقة.

أريدك أن تفكر في الأشياء السابقة من منطلق؛ هل هي حق لي أم لا؟ هل بُذل فيها جهد وأموال ووقت أم لا؟ فقط بعدها ابدأ بتقييم الأمر، هل يعتبر ما حدث سرقة أم لا؟

سنتطرق الآن للحديث عن كيف لأخلاقيات التسويق أن تكون ورقة رابحة ومربحة؟ ثم سنقوم بإعادة تقييم لبعض التصرفات ونقوم بوضعها تحت تصنيفها الصحيح، هل هي من أخلاقيات التسويق أم لا. ثم في الختام سنعرض بعض الأشياء التي يمكن تطبيقها في العمل الخاص بنا.

إذا قمت بتعويد الفريق الذي يعمل معك بشركتك على سرقة بيانات العملاء أو العملاء أنفسهم من الشركات المنافسة وألا يضع مصلحة عميل الشركة في المقام الأول فيكذب عليه أو يضره فقط لكي يبيع أكثر، فإنك بذلك ستكون أكثر المتضررين من هذا الأمر.

كيف ستكون أكثر المتضررين من هذا الأمر؟

حسنا الأمر بسيط، لقد قمت بتعليمهم الاحتيال وأصبح ذلك صفة فيهم، فمن الطبيعي جدا أن يقوموا بتطبيق الأمر معك أنت أيضاً. وقتها هل ستستطيع أن تقول لهم لا يصح ذلك لأنه غير أخلاقي فيما بيننا؟ لا بالطبع، لن تستطيع قول ذلك.
وإنك حتى في أثناء كلامك مع أحد العملاء لن تكون نظرتهم لك جيدة. كيف تتوقع منهم أن ينظروا لك بشكل جيد وأنت تقول ما لا تفعل وكيف سيتعاملون معك ومع بعضهم داخل الشركة؟

موظفيك أنفسهم سيكون لديهم هشاشة داخلية وعدم ثقة فيما يقولون للعميل وسينبعث من داخلهم صوت يقول لهم أن هذا الأمر ليس صحيح حتى وإن ظلوا يفعلوه.

إذاً أول من سيخسر إذا لم يطبق أخلاقيات التسويق هو أنت بلا شك، فيجب عليك ردع ورد الفريق إلى صوابهم وإلى أخلاقيات التسويق إذا ما أتوا بفكرة منافية لأخلاقيات التسويق، لمصلحة العميل ومصلحتك أنت وشركتك.
قم باعتبار أنك تبي مدينة أو دولة لا مجرد فريق وفكر كيف لهذه المدينة أو الدولة أن تتعامل داخلياً أو خارجياً مع المدن أو الدول الأخرى، وأن تضع القواعد المنظمة للتعامل مع الشركات المنافسة. فإذا كنت من الحالمين بفكرة المدينة الفاضلة، هذه هي فرصتك لمحاولة تحقيق ذلك عن طريق تطبيق أخلاقيات التسويق داخل شركتك.

إنك إن فعلت ذلك ستزداد أرباحك ومكاسبك كثيراً. كيف؟ دعني أخبرك:

1- أعضاء فريقك

سيصبحون مخلصين لك ولبعضهم البعض، وهذا هو أكبر مكسب يمكن أن تحوزه لأنه سيزيد من أرباحك بلا شك.

2- العميل قادر على تكوين رأيه بنفسه

وسيعرف بالتأكيد إذا كنت تراعي أخلاقيات التسويق أم لا بشكل عفوي دون أن يعرفها كمصطلح، لذا إن راعيتها فإنك سوف تحوز على ثقة العميل وبالتالي سيزيد ذلك من أرباحك بلا شك.

دعني أعرض عليك مثالاً التي حدث بالفعل، والذي سيوضح لك الأمر أكثر. إحدى الشركات العاملة في مجال المشروبات قاموا بإعلان عدم استعمال الشفاطة البلاستيك مع المشروبات والمنتجات التي يقومون بتقديمها وذلك بعد انتشار كبير لفيديو يظهر اختناق سلحفاة بسبب شفاطة من البلاستيك في فمها؛ فلقد أرادوا أن يظهروا للناس أنهم مهتمون بحقوق الحيوان.

بعد فترة اهتاج واحتج بعض الناس على هذا لأن هذا القرار لا يخدم ذوي الاحتياجات الخاصة ويصعب شرب منتجات هذه عليهم، ولكن الشركة لم تعرهم أي اهتمام رغم الحملات الموجهة والرسائل التي بعثت لهم على اعتبار أن ذوي الاحتياجات الخاصة شريحة صغيرة وغير مستهدفة من الأساس، مما سبب انهيار كبير في سمعة الشركة؛ فالعميل أدرك حينها أن ما قامت به الشركة كان مجرد إظهار اهتمام بشيء ما لزيادة الأرباح وليس اهتماماً حقيقياً نابعاً من توجه أخلاقي للشركة. وهذا يوضح لنا أن العميل في هذه الأيام يستطيع أن يكون رأياً صحيحاً بنسبة كبيرة.

يمكنك أن ترى في كثير من الأحيان شخصاً ما يقوم بمهاجمة المنافسين ليظهر أنه يقوم بالتنبيه على شيء ما وخلال هجومه يقوم بالإعلاء من قدر نفسه وأنه لا يفعل ذلك إلا ليقوم بالتوعية لا أكثر. في الحقيقة العميل هذه الأيام واعٍ جداً وقادر على تمييز هذا الأمر ووضعه في نصابه الصحيح. فالعميل قادر على تمييز الشركات التي تقوم بعمل منتجات وخدمات وعروض جيدة وتلك التي تقلد لا أكثر.

ماذا سوف تقول إذا رأيت إحدى الشركات تنفق الملايين على إعلان يخبرك بأنهم سيتبرعون بجزء من ربح كل منتج يقومون ببيعه لكي يقوموا بحثّك على الشراء؟ بالطبع سوف ينبعث من داخلك صوت يقول: كان من الأفضل إنفاق الملايين التي أنفقت على الإعلان في التبرعات.

ماذا سوف تقول إذا رأيت إحدى الشركات تقول أنّها تدعم علاج أحد الأمراض ثم اكتشفت بالصدفة أسهم وحصة لها في شركة أخرى تقوم بإنتاج ما يساعد على انتشار هذا المرض بالأساس؟

العميل هذه الأيام واعٍ جداً وعلى علم بكل شيء، فمهما حاولت أن تخدعه فإنه سيكتشف أن تقوم بذلك لا محالة.
إذاً أخلاقيات التسويق هي أمر يصب في مصلحتك في المقام الأول ثم في مصلحة العميل؛ فإن أنت قمت بعمل فريق يحافظ عليها وكذا حملات تسويقية تصب في مصلحة العميل حقاً فإن هذا العميل سوف يقدر المنتج أو الخدمة التي تقدمه أو تقدمها شركتك وسيريد الشراء منك بالتأكيد.

حسناً، لقد تحدثنا عن لماذا تعتبر أخلاقيات التسويق شيئاً مهما. دعنا نتطرق لإحدى الأشياء التي نقوم بعملها ونراها كثيراً في السوق ونقيّمها ونصنفها، هل هي من أخلاقيات التسويق أم لا.
تخيل مجيء فريق العمل بشركتك ذات يوم وإخبارك بأن شريحة العملاء المستهدفة تحب مطربين معينين يغنون أغانٍ شعبية، وأنهم يقترحون الإتيان بأحدهم ليقوم بغناء أغنية شعبية تحتوي على معلومات وكلمات تصف مرضاً معينا بشكل يرعب الشريحة المستهدفة منه فيزيد ذلك من البيع والأرباح؟

عندما تقرأ هذا الكلام هنا فإنه من الواضح جلياً مدى ضرره على الناس، لكن إذا تم تقديم هذا الكلام بطريقة أخرى من الممكن أن تختلف نظرتك هذه. سوف تشعر أنه مفيد ومربح، والحقيقة أنه يتم تقديمه بهذه الطريقة في أغلب الأحيان بالفعل.
من المعروف في علم التسويق أن المشاعر تنتشر وتصل بسرعة للشريحة المستهدفة، فلو أنك قمت بكتابة منشور ما على وسائل التواصل الاجتماعية يحوي في طياته مشاعر إيجابية فإنه سينتشر بسرعة أكبر من السرعة العادية، ولو كان يحوي مشاعر سلبية فإنه سينتشر بسرعة أكبر وأكبر.

تخيل مجيء فريق العمل بشركتك ذات يوم وإخبارك بأنهم سيستخدمون طريقة الرواية والقصة فيما يكتبون، وأنهم سوف ينشئون قصة عن بطل ينتقم من أصحابه ويحقد على هذا وذاك، ووضعوا في هذه القصة كمية من المشاعر السلبية. أنت تعلم أن هذه المشاعر سوف تؤثر على من يقرأ هذه القصة وتجعله يكتسب صفاتاً معينة منها.، هل سترفض الفكرة؟ هل ستلزمهم بالرجوع لأخلاقيات التسويق مرة أخرى أم لا؟

ما رأيك في المواقف الآتية؟:

1- جاء فريق عمل شركتك يخبرك عن حادث معين في البلد

وأنهم يريدون أن يشاركوا في الضجة التي تدور حول هذا الحادث، يريدون البدء باستخدام شيء ما في المنتج أو الخدمة المقدمة من شركتك وربطه بهذا الحادث واستخدام الهاشتاج الخاص بالحادث. هل ستتركهم يفعلون ذلك لتحقيق الانتشار أم ستلزمهم بأخلاقيات التسويق؟

2- جاء فريق عمل شركتك يخبرك بأنهم يريدون عمل حملة تسويقية دعائية مع أحد صناع المحتوى المشهورين

على موقع اليوتيوب، سيقومون بإعطائه المنتج وسيطلبون منه إعطاء رأي معين فيه للناس بمقابل مادي لكن مع إظهار العكس للناس وإظهار الرأي كأنه رأي حقيقي وأمين دون مقابل. هل ستتركهم يفعلون ذلك لخلق تأثير على العملاء أم ستلزمهم بأخلاقيات التسويق؟

3- حملة تسويقية دعائية تستغل ضعف معين عند شريحة معينة من شرائح العملاء،

وأنت كشركة تعمل في قطاع الخدمات التأمينية مثلاً، وقمت باستهداف شريحة كبار السن وخوّفتهم من فكرة سهولة إصابتهم بالأمراض ثم وفاتهم في أي وقت دون وجود أية أموال معهم تكفي حتى للجنازة. هذه الشريحة بالأساس عنده تخوّف من هذا بالطبيعة ولكنك تبالغ في هذا الأمر لتخلق احتياج لديه للتأمين على كل شيء عنده. هل هذا شيء صحيح أم خاطئ؟

هل ستخبر نفسك وفريق عملك بأن هذا مناف لأخلاقيات التسويق وسيقوم بالإضرار بهذه الشريحة أم لا؟ ونحن لا نتحدث هنا عن فكرة عمل استقصاء عن مخاوف الناس وتحديدها وطمأنتهم لأنه شيء يحدث بالفعل في التسويق ولا مشكلة فيها، ولكننا نتحدث عن فكرة استغلال ضعف معين عند شريحة معينة من العملاء والمبالغة في الحديث عن هذا الضعف لدرجة التأثير على حياة هذه الشريحة من العملاء بالسلب. فعلى سبيل المثال: تخيل والدك يأتي لك يومياً ليحدثك عن ما رآه في التلفاز أو الإنترنت وكيف أنه خائف من هذا الأمر جداً، هل تخيلت؟ حسناً، وقتها ستعلم يقيناً أن مثل هذا الأسلوب مضر لحياة العملاء حتى ولو قاموا باستخدام خدمتك التأمينية.

حسناً، لقد تكلمنا عن لماذا أخلاقيات التسويق مفيدة لك ولشركتك، وذكرنا بعض الأمثلة البسيطة. جاء الآن الدور على ماذا نفعل إذاً؟ ما القيم التي يجب زرعها في فريق العمل؟ وما القيم التي يجب تثبيتها لدى فريق العمل وشريحة العملاء؟

سوف نتحدث عن أربعة أشياء أساسية، وهي:

1- الحقيقة:

قد يبدو ذلك كلاماً كبيراً جداً يصعب فهمه، ولكننا سنقوم بتبسيط الأمر. يجب عليك أنت وفريق عملك قول الحقيقة مهما كانت مؤلمة أو محرجة وأن تقوموا بمناقشة الخطأ والاعتراف به دون اختلاق الأعذار؛ هذا سوف يكون مريحاً لك ولعملاء شركتك.

2- الدقة:

قم باستخدام أرقام وحقائق ملموسة لا آراء عند الإعلان عن منتجك، لا تعمم ولا تبالغ وكن مصدراً دقيقاً للمعلومة. إذا التزمت بهذا سيعتمد عليك العميل.

3- الموضوعية:

قم بالتعامل بشكل موضوعي حيادي غير شخصي ومتحيز مع أي شيء. تخيل لو قمت بتطبيق هذا داخل الفريق، كيف سيتعاملون مع بعضهم البعض ومع العملاء؟

4- العدالة:

هناك فرق كبير جداً بين الإعلان المدفوع والإعلان الحقيقي النابع من قوة المنتج والشركة والتزامها بأخلاقيات التسويق، استخدم مبدأ الفوز للجميع، أنت تفوز وفريقك يفوز والعملاء يفوزون. احمِ بيانات عملائك لأنهم وثقوا بك ومن العدالة أن تحافظ على سرية بياناتهم. فكر بالعميل كأنه أحد أفراد عائلتك، فوزه فوزك.

في حقيقة الأمر إن أخلاقيات التسويق لديها القدرة على أن تجعل من شركتك شيئاً أفضل وتعطيك إمكانية أكبر في الوصول للعميل. إن أخلاقيات التسويق تقوّي فريق عملك وتجعله متماسكاً ويهتم بمصلحة العملاء ولا يقوم بالاحتيال عليك في يوم من الأيام؛ وعليه فإنه كرد فعل من العملاء سيقومون باستثمار أموالهم التي تعبوا في جمعها في شراء منتجك أو خدمتك بطيب نفس.

إن موضوع أخلاقيات التسويق موضوع كبير جداً، سنتحدث لاحقاً خلال الفترة القادمة على أشياء كثيرة تدور حول هدف واحد، ألا وهو، كيف تقوم بعمل تسويق وشركة يحبها الناس فعلاً

المصدر

لسماع الحلقة كاملة على SoundCloud من هنا .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى